الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

373

نفحات الولاية

الرعب فصعق وصرع أرضاً لينحدر إلى تلك الحفرة ، ثم هدد ما تبقى من أولئك الأوغاد العتاة فقال : « وبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ . ولَئِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لَادِيلَنَّ « 1 » مِنْهُمْ إِلَّا مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّراً « 2 » » . وتشير العبارة : « أَهْلِ الْبَغْيِ » إلى ظلمة الشام وأصحاب معاوية الذين كانوا سيهلكون لولا قضية التحكيم يوم صفين ، فالإمام عليه السلام يقول : لو أُتيحت لي الفرصة لقضيت عليهم وأرسيت حكومة العدل والقسط في ربوع البلاد الإسلاميّة كافّة . ولعل ذكر هذا المعنى بصيغة الجملة الشرطية يشير إلى أنّ الإمام عليه السلام سوف لن يُوفّق لشن هجومه الكاسح عليهم ، فقد طالته المنية قبل أن يقوم بهذا العمل ؛ ولكن على كلّ حال أعلن عن استعداده التام لمواجهتهم ما دام فيه عرق ينبض ويعلم ضمنياً صحبه خططه المستقبليّة . تأمّل من هو ذو الثدية ؟ اسمه حرقوص بن زهير السعدي التميمي المعروف بذي الخويصرة ، ذي الثدية ومُخدج ، ولا يعلم وجه تسميته بذي الخويصرة ؛ ولكن بالنظر إلى اللحم الزائد في عضده كالثدي في الصدر لقب بذي الثدية ، كما عرف بالُمخدج اليد لنقص في يده . جاء في التفاسير في ذيل الآية 58 من سورة التوبة : « وَمِنْهُمْ مَّنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ » . والمصادر التاريخية تؤكّد أنّه لما انتهت غزوة حنين وقف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في موضع اسمه « جعرانة » لتوزيع الغنائم فطلب أبو سفيان وبعض المسلمين من قريش المزيد من الغنائم ؛ فمنحهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أموالًا كثيرة لتأليف قلوبهم ، فنهض ذو الثدية وخاطب

--> ( 1 ) . « اديلن » من مادة « دولة » تعني الانتقال وتأتي أحياناً بمعنى الضعف والمراد هنا هو المعنى الأوّل ؛ أي لأمحقنهم . ( 2 ) . « يتشذر » من « تشذر » أي يتفرق .